09/11/2025
في بداية الطريق، كنتُ أؤمن أن التعب مؤقت، وأن كل خطوةٍ شاقة تفتح باباً جديداً نحو النور. كنتُ أُقنع نفسي أن الوجع ضروريّ للنضوج، وأن الذين يختفون لم يكونوا ليمكثوا لو كانوا يستحقون البقاء.
كنتُ أقولها بثقةٍ، كمن يحاول إنقاذ نفسه بالكلمات.
لكن الطريق طال…
وطال أكثر مما ظننت.
حتى صار التعب ليس عارضاً، بل هو الرفيق الذي لا يغادر. صار داخلي ممتلئاً بأصواتٍ تشبه الهمس:
"إلى أين تذهب؟ وما الذي تبحث عنه حقاً؟"
تعلّمت أن بعض النهايات لا تأتي فجأة، بل تزحف إلينا بصمت، في عاداتنا، في نظراتنا الباهتة، في فقدان الدهشة.
تعلّمت أيضاً أن أكثر الأوجاع صدقاً هي تلك التي لا يعرفها أحد، لأنك تعيشها دون شهودٍ، ودون بطولةٍ تستحق التصفيق.
ثم جاءت لحظة لم أعد أحتمل فيها شيئاً…
لا الطريق، ولا الوجوه، ولا نفسي التي صارت غريبة عني.
جلستُ طويلاً أمام مرآتي، ورأيتُ انعكاساً يحمل ملامحي، لكنه لم يكن أنا.
كان شيئاً هادئاً حدّ الموت، ومرهقاً حدّ البقاء.
في تلك الليلة، فهمتُ أن النجاة لا تشبه ما كنت أتصوره،
فهي لا تعني الوصول، بل القدرة على التعايش مع الخسارة دون أن تفقد إنسانيتك.
النجاة ليست أن تبتسم بعد العاصفة، بل أن تقف في وسطها دون أن تتلاشى تماماً.
الآن حين أعود بذاكرتي،
أرى أن كلّ من مرّ في طريقي لم يكن عبثاً،
وأن كلّ وجعٍ كان معلّماً صامتاً جاء ليكشف لي شيئاً عن نفسي.
لقد كنتُ بحاجةٍ إلى أن أنهار،
كي أرى ما تبقّى منّي حين يسقط كلّ شيء.
والآن، بعد كلّ هذا التعب،
أنا لا أبحث عن النور كما كنت،
ولا أهرب من الظلام كما ظننت.
أنا فقط أسير… بخفّةٍ تشبه التسليم،
أدرك أن الطريق لا يُقاس بطوله،
بل بما يتركه فينا من أثرٍ لا يُمحى.
لقد نجوت،
لكن بثمنٍ لم أفهمه بعد. 🖤